الجيش الأوروبي الموحد: لماذا الآن؟!

الحديث عن إنشاء جيش أوروبي موحد ليس بالأمر الجديد أو الطارئ على دول الاتحاد الأوروبي، حيث إن الفكرة مطروحة منذ ما يزيد على عقدين من الزمن ويمكننا القول بأن بوادر الفكرة بدأت منذ خمسينات القرن الماضي لكن الحديث عنها بدأ بالضبط في العام 1992 عندما أعلن عن تشكيل الاتحاد الأوروبي الذي ضم حينها “28 دولة” عبر معاهدة سميت حينها معاهدة “ماستريخت”.

معاهدة “ماستريخت” تحدثت في ذلك الوقت عن “وضع سياسة خارجية وأمنية تُستكمل بسياسة دفاعية مشتركة عندما تنضج الظروف”، وأول فرصة كانت لإنشاء هذا الجيش جاءت بعد أزمة كوسوفو، حيث صدر قرار ينص على تشكيل قوة أوروبية مشتركة قوامها 60 ألف جندي، وبعد ذلك بدأت تتردد الفكرة بين الحين والآخر عقب كل أزمة كان يواجهها الاتحاد الأوروبي خصوصاً والعالم عموماً، ولكن لم يمر على الاتحاد الأوروبي مرحلة قلقة كالتي يمر بها حالياً والتي بدأت ذروتها بعد الاستفتاء البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو من العام 2016، لذلك يمكننا تفهم الحديث المستمر خلال السنوات القليلة الماضية عن إنشاء جيش أوروبي موحد، لأنه وعلى ما يبدو، أصبحت الحاجة إليه مُلّحة أكثر من أي وقت مضى، ففي مايو 2015، دعا “جان كلود يونكر”، رئيس المفوضية الأوروبية، لتأسيس جيش أوروبي مشترك، لأن ذلك سيؤكد للعالم أنه لن يكون هناك أي حرب جديدة بين دول الاتحاد.

ولكن بعد هذا التاريخ تسارعت المطالبة بإنشاء هذا الجيش ففي عام 2017 وعقب فوز الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” بمنصبه، جدد الدعوة للتوحد الأوروبي الكامل، وإنشاء جيش أوروبي موحد، فالرئيس ماكرون طموح جداً ويرى صعوداً متوقعاً للروس على حساب الأوروبيين والأمريكيين، لذلك نجده اليوم يلهث لإنشاء جيش أوروبي ولا نبالغ إذا قلنا بأنه يبحث عن قيادته تمهيداً لقيادة أوروبا، ولكن لن يكون ماكرون وحيداً في هذا الطموح فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تبحث عن طموح مشابه لذلك نجدها تتجه بنفس الاتجاه الذي يتجه إليه ماكرون، ونعتقد أن هناك سبباً آخر يدفع ميركل لفعل ذلك يتمثل بكونها ستودّع حياتها السياسية في نهاية دورتها الحالية ولذلك تبحث ميركل عن شيء يترك بصمة لمسيرتها السياسية عبر البحث عن دور بارز في قيادة الجيش الذي تدعو لتشكيله مع الرئيس الفرنسي ماكرون.

ومع بداية العام الحالي أصبح البحث عن تحقيق هذا الطموح الذي تقوده فرنسا وألمانيا أكثر جدية من أي وقت مضى، وكان بارزاً هذا الأمر بشكل كبير خلال مؤتمر “ميونيخ للأمن” الذي عقد في فبراير 2018، وضمن فعاليات المؤتمر أكدت المستشارة الألمانية “إنجيلا ميركل” أن وقت “اعتماد أوروبا على الآخر قد انتهى” ، فيما دعت وزيرة الدفاع الفرنسية “فلورنس بارلى” يوم 16 فبراير 2018 الدول الأوروبية لامتلاك “استقلالية استراتيجية” في مجال الدفاع مع الإبقاء على عضويتها في حلف شمال الأطلسى “الناتو”، وطالبت نظيرتها الألمانية “أورسولا فون درليين” أوروبا بأن تتولى تسوية المشكلات الأمنية التي تواجهها في محيطها.

 كما أكد وزير الخارجية الألماني “زيجمار جابرييل” أن على الدول الأوروبية الاتفاق على تعاون مستقبلي بشأن القضايا الدفاعية والأمنية لتكون بمثابة لحظة فارقة في التطور الأوروبي.

أسباب الحديث عن جيش أوروبي خلال الأشهر الماضية:

أولاً: إحساس أوروبا بالخطر جرّاء الأزمات المتفاقمة التي يشهدها الشرق الأوسط والتي انعكست عليها بشكل مباشر وغير مباشر، لذلك شعرت أوروبا بالخطر خاصة بعد تدفق أكثر من مليون لاجئ إليها، وبالتالي أصبحت الحاجة إلى إيجاد صيغة للدفاع المشترك حاجة ماسة في ظل التهديدات المستمرة التي تتعرض لها دول أوروبا مع عودة الإرهابيين الذين شاركوا في تخريب بلاد الشرق وخاصة سوريا والعراق إلى بلادهم، وبعد أن شارفت الحرب السورية على الانتهاء أصبحت الأمور أكثر تعقيداً.

ثانياً: احتدام الوضع العالمي وإدراك القارة العجوز أن عجزها سيؤدي إلى غيابها عن المشهد العالمي في ظل تنامي أدوار الصين، روسيا وأمريكا، إيران وتركيا، واليوم تكاد لا تذكر أوروبا في التنافس الحالي على قيادة العالم، لأن تنامي النفوذ الروسي بهذه السرعة جعل التنافس الروسي – الأمريكي يبلغ أقصاه، وقد ظهر ذلك جلياً في التهديدات الأخيرة التي وجهها ترامب لضرب سوريا والتي تبعها ردود فعل قوية من الجانب الروسي الذي قال بأنه سيرد على هذه الهجمة بقوة، ووصلت الأمور اليوم إلى حافة حرب عالمية ثالثة، فأين سيكون الأوربيون منها؟!.

ثالثاً: إنشاء جيش أوروبي جديد يعدّ إشارة ضمنية إلى فشل النظام العالمي القائم، هذا التحوّل الجذري يأتي استكمالاً لنهج شريعة الغاب القائمة والتي زاد من حدتها وصول ترامب إلى البيت الأبيض، فالرئيس الأمريكي الحالي “صاحب التصريحات النارية غير المدروسة” زرع في نفوس الأوروبيين الخوف من المرحلة القادمة خاصةً أنه رفع شعار “أمريكا أولاً” واتبع سياسة “المال مقابل الأمن”، وهدد أوروبا مراراً بسحب أو إعادة انتشار قوات حلف شمال الأطلسي، هذه التصرفات جعلت الأوربيين يفكرون بشكل جدي بإيجاد صيغة للتوحد أمام الخطر القادم من كل حدب وصوب، ويجب ألّا ننسى انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وهذا بحد ذاته أحدث خللاً داخل الاتحاد لا يمكن استدراكه بسهولة.

ختاماً؛ شعار “في الاتحاد قوة” صحيح ودقيق جداً، ولكن لا نعلم إلى أي حد تستطيع أوروبا أن تحققه في ظل وجود مجموعة من العوائق التي يمكن حلها بسهولة، نذكر منها ضعف البنية العسكرية الأوروبية، فعلى سبيل المثال يتكون الجيش الألماني من 180 ألف جندي فقط، وهذا لا يتناسب مع دولة تسعى لتكوين جيش أوروبي كبير ستضطلع بالدور المركزي فيه، وغير ذلك من المشكلات البنيوية الداخلية والتنافس الذي قد يحصل بين فرنسا وألمانيا على قيادة الجيش، فضلاً عن الدور الأمريكي الذي قد يعمل على إجهاض هذا الأمر.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here