عملية تحرير إدلب..أين تكمن حساسيتها وخصوصيتها ؟

مع إطلاق الجيش العربي السوري وحلفائه مؤخرا لعملية تحرير مطار ابو الضهور في الريف الجنوبي الشرقي لمحافظة ادلب السورية، والتي يبدو انها مرشحة للتوسع في اكثر من اتجاه وعلى أكثر من مستوى ميداني وعسكري.

تعالت الاصوات الاقليمية والدولية المُعارِضة لتنفيذ العملية وبالاخص لتوسيعها، وحيث اختلفت تلك الاصوات بتبريراتها لمعارضة العملية، إذ لكل منها اسبابه المتعلقة بمصالحه الخاصة، اجتمعت بأغلبها تقريبا حول هدف واحد وهو، الحد من تمدد الجيش العربي السوري ومن فرض سيطرته على الجغرافية السورية، وبالتالي منعه من استكمال تحرير كامل هذه الجغرافيا.

بمعزل عن تنوع الاسباب الخاصة بكل جهة اقليمية او دولية، والتي تدفعها لمعارضة تحرير الجيش العربي السوري محافظة ادلب “الكبرى”، والتي اكتسبت هذه التسمية بعد ان اضيف اليها بعض من ارياف حماه وحلب، حيث ما زالت تنتشر المجموعات المسلحة: الارهابية او “المعتدلة” مع نكهة ارهابية او الارهابية مع “نكهة معتدلة”، فان هذه العملية تتميز بخصوصية وبحساسية غير عادية وذلك للاسباب التالية:
عسكريا
– ينتشر في “ادلب الكبرى” عدد كبير من المسلحين الموزعين بين اجانب ومحليين، وهم بأغلبهم قاتلوا على كامل جبهات المواجهة ضد الجيش العربي السوري وحلفائه، ولديهم خبرات ليست بسيطة، كما انهم يملكون بأغلبهم ارادة القتل، حيث الاجانب سيقاتلون لان السبل ضاقت بهم بعد ان ضعفت كثيرا امكانية عودتهم الى بلدانهم، والمحليين من المسلحين تجمعوا في ادلب مختارين القتال لانهم لم يقتنعوا بالمصالحات وبالتسويات.
– كانت وما زالت، تجهيزات المسلحين في ادلب من اسلحة ومن قدرات عسكرية تتميز بالفعالية، حيث كانت قيود الدول الداعمة لهم لناحية نوعية الاسلحة هي الاخف تقريبا من تلك المؤمنة لمسلحي المناطق الاخرى، إذ غابت كليا مثلا الصواريخ المتطورة المضادة للدروع عن المناطق الجنوبية القريبة من اسرائيل، الامر الذي كان متوفرا وبكثرة في الشمال السوري، كما ان مسلحي الشمال السوري كانوا دائما يستفيدون من اجهزة الاتصالات المتطورة، والموجهة من احدث غرف العمليات في تركيا، والمجهزة باجهزة المراقبة والتنصت الفعالة، وغير ذلك في الكثير من الاسلحة والتقنيات العسكرية.

تقدم الجيش السوري والقوات الرديفة في ريف ادلب

ميدانيا
– نظرا للعدد الكبير من المجموعات المسلحة التي تتواجد في “ادلب الكبرى”، تتداخل وبشكل واسع اماكن انتشارها مع بعضها، الامر الذي يصعب معه التعامل مع بعضها بطريقة مختلفة عن الاخرى، من ناحية الفعالية في القصف الجوي والمدفعي والصاروخي، او من ناحية توجيه العمليات الخاصة وعمليات الاختراق المركزة، خاصة وان قسم من تلك المجموعات كان قد أعلن التزامه باتفاق خفض التصعيد، ولكن لم يتسن له التعبير عن ذلك ميدانيا، اولا، لانه مُنع من ذلك من قبل جبهة النصرة، وثانيا لانه بقي حذرا واضطر للقتال تحت عنوان “حماية نفسه وحماية عائلاته”.
– تتداخل ايضا في “ادلب الكبرى” مواقع انتشار المسلحين مع اماكن سكن المدنيين، حيث ضاقت جغرافيا تلك المحافظة مقارنة مع العدد الكبير الذي تجمع فيها من مدنيين، او من مسلحين محليين او اجانب مع عائلات بعضهم، الامر الذي يُعقّد ايضا عملية الاستفادة بفعالية من الدعم الجوي والمدفعي، حيث تركز الاطراف الخارجية والاقليمية المُعارِضة للجيش السوري دائما على ثغرة استهداف المدنيين، في الاعلام الدولي، وفي اوساط مؤسسات الامم المتحدة .

استراتيجيا

– بقي ميدان “ادلب الكبرى” يشكل الميدان الاخير للاطراف الاقليمية والدولية كورقة ضغط على الدولة السورية، وذلك بعد تحرير القسم الاكبر من اماكن سيطرة داعش في الشرق السوري، وبعد ان تحررت اغلب المدن السورية الكبرى ما عدا مدينة ادلب:
– تركيا: لم يتبق لها الا منطقة ادلب، تستطيع من خلالها او عبرها، اولا التفاوض والمساومة والضغط بالموضوع الكردي المتشعب ميدانيا وسياسيا، وثانيا المساومة والاستغلال بموضوع فتح المعابر او إغلاقها للمسلحين او للاجئين – تبعا لمناورتها – من والى اوروبا، وبالتالي ستحاول الاحتفاظ بذلك الميدان وابعاده عن سيطرة الدولة السورية.
– الولايات المتحدة الاميركية: بعد ان انحصر موضوع استغلالها لداعش بأماكن محددة، وحيث ان مناورتها اصبحت مقيدة بالتزامها مع قوات سوريا الديمقراطية التي حاربت داعش شرق الفرات، لم يتبق الا ميدان ادلب تستطيع من خلاله التصويب والضغط على سوريا وعلى الدور الروسي في سوريا وفي الشرق من جهة، ومن جهة اخرى، التفاوض الحساس مع تركيا في الموضوع الكردي، وفي موضوع علاقة تركيا المستجدة اخيرا مع روسيا ومع ايران.
– بالنسبة للخليجيين، والذين كانوا رأس حربة في دعم وتوجيه وتحريض الارهابيين في الحرب على سوريا، يبدو انهم وبوجود لاعبين كبار كالروس والاميركيين والاتراك، وبعد ان فقدوا تأثيرهم العملي هناك وخاصة في ادلب، لم يتبق لهم الا الحرب الاعلامية المعارضة لتحرير ادلب، وبعض القنوات البسيطة في تمويلهم وتحريضهم.
اخيرا وبدون شك، يبقى لهذه العوامل العسكرية والميدانية والاستراتيجية دور مهم في التأثير على مناورة الجيش العربي السوري خلال معركته لتحرير ادلب الكبرى، وحيث انه قد خاض الكثير من معارك التحرير الكبرى، والتي كانت ايضا تتمتع بخصوصيات وبحساسيات وصعوبات ليست بسيطة، وتجاوزها وانتصر بها، فان الميدان في الشمال السوري، وخاصة في ادلب ومحيطها هو بدون شك على موعد – رغم صعوبة وحساسية المعركة – مع الانتصار وهزيمة المسلحين ورعاتهم.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

40 + = 49